محمد غازي عرابي

1157

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

في قواه ، ولكنه في الوقت نفسه جرم صغير يدور في فلك محدد ، لا خروج له عليه ، ولو خرج لاختل نظام الأجرام عاليها وسافلها ، كبيرها وصغيرها ، ولكثرت الآلهة ، ولفعل كل إله ما يريد . [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 12 إلى 42 ] فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) [ عبس : 12 ، 42 ] تشير الآيات إلى قضاء اللّه ، وقد قسم أرزاق الناس الباطنة ، وهم أجنة في بطون أمهاتهم ، وجعل منهم الشقي والسعيد ، فلا تبديل لما كتب في اللوح ، لوح النفس الكلية من قبل خلق النفوس الجزئية ، فخروج هذه المشخصات خروج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل ، وخروج الصفة لتلبس الموصوف ، وخروج الكليات لتظهر بالجزئيات ، ولهذا كان قضاء اللّه عدلا إليها القصد منه ظهوره سبحانه بصفاته لعباده الذين اصطفى . وإلى هذا التجلي العلماني الوجودي في العالمين يضرب اللّه الأمثال ماء العلوم المنهمر من أبواب سماء المعقولات ، والذي يودع إيداعا في القلوب والأدمغة ، ويطبع طبعا الخلايا العصبية ، فإذا بدأ الإنسان يعي ، أي بدأ عقله الهيولاني يتفتح ، وتتفتح فيه بذور المعقولات المودوعة فيه ، حصلت لديه تلك المعقولات بالفعل ، وعلى هذا فالعالم عالم وهو في بطن أمه ، والعامل عامل ، وبشرت أضياف إبراهيم المكرمون بغلام عليم ، فكل ميسر لما خلق له ، فمن وعى آمن واطمأن واستراح ، وهؤلاء المرحومون الداخلون في الصالحين ، وجوههم مضاءة بنور الحقيقة فرحون بما حصل عندهم من اليقين وعلوم اليقين . أما من ظل في ظلام الجهل والحجاب فهؤلاء التعساء الخائبو الظن ، تهوي بهم ريح الأفكار والخواطر والظنون والشكوك والمخاوف في واد سحيق .